بين القرار الرسمي وحسابات السلاح والحدود والتمويل والضغوط الدولية، يبدو السؤال عن القرار اللبناني أكبر من اسم الجهة التي تملك السلطة دستوريًا.
في الدول التي تعرف من يقرر، قد تختلف الأحزاب وتتبدل الحكومات، لكن يبقى هناك عنوان واحد للقرار: الدولة.
أما في لبنان، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: من يقرر؟
ليس المقصود البحث عن اسم شخص أو حزب أو دولة خارجية يُنسب إليها القرار اللبناني، بل محاولة فهم واقع أكثر تركيبًا: هناك قرار رسمي يفترض أن يصدر عن مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه توجد قوى داخلية ومؤثرات إقليمية ودولية ووقائع ميدانية واقتصادية تضغط على المساحة التي يتحرك فيها هذا القرار.
وهنا تكمن المفارقة.
فالدولة اللبنانية تقول بوضوح إن قرار الحرب والسلم هو من اختصاصها وحدها، وإن السلاح يجب أن يكون محصورًا بالمؤسسات الشرعية. وفي 2 آذار 2026 أعلن مجلس الوزراء رسميًا رفض أي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج مؤسسات الدولة، وأكد أن قرار الحرب والسلم «حصراً بيدها»، طالبًا من الأجهزة العسكرية والأمنية اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع العمليات العسكرية أو إطلاق الصواريخ والمسيّرات من الأراضي اللبنانية.
وفي المقابل، فإن الجيش اللبناني نفسه أكد في 4 آذار 2026 أنه يعمل على تنفيذ قرارات السلطة السياسية، بالتوازي مع التنسيق مع اليونيفيل وآلية الإشراف على وقف الأعمال العدائية، في ظروف أمنية معقدة.
إذًا، من حيث المبدأ، لا لبس في هوية صاحب القرار الرسمي.
لكن السياسة لا تتوقف عند النصوص.
قرار الدولة
قد تكون هذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها أي نقاش جدي حول السيادة اللبنانية: التمييز بين من يملك القرار قانونيًا وبين الواقع الذي يجعل ممارسة هذا القرار ممكنة أو صعبة أو مكلفة.
رئيس الجمهورية جوزاف عون قال صراحة إن قرار حصرية السلاح قرار داخلي وليس مطلبًا مفروضًا من الخارج، وإن قرار مجلس الوزراء بهذا الشأن يُنفّذ من خلال الجيش وفق الإمكانات والظروف. كما ربط بناء الدولة بمبدأ حصرية السلاح وقرار السلم والحرب.
هذه المواقف الرسمية تضع الأساس الدستوري والسياسي للمسألة. لكن السيادة لا تُقاس فقط بما تعلنه السلطة، بل أيضًا بقدرتها على تحويل هذا الإعلان إلى واقع ثابت على الأرض.
وهنا يصبح السؤال أصعب.
فالدولة قد تقول إنها صاحبة القرار، لكن ممارسته تحتاج إلى قدرة عسكرية وأمنية وإدارية واقتصادية، وإلى سيطرة فعلية على كامل الأراضي، وإلى قدرة على حماية الحدود، وإلى مؤسسات تستطيع تنفيذ ما تقرره السلطة السياسية.
ولهذا نص القرار 2790 الصادر عن مجلس الأمن في 2025، والذي مدّد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على بدء خفض قوام القوة وانسحابها بعد ذلك، مع هدف معلن يتمثل في جعل الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في جنوب لبنان. كما دعا القرار إلى بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، بحيث لا يكون هناك سلاح أو سلطة خارج إطار الدولة.
هنا يظهر التناقض الذي سيلاحق لبنان خلال المرحلة المقبلة: كلما اقترب لبنان من استعادة القرار الأمني الكامل، أصبح مطلوبًا منه أن يبرهن على امتلاكه الأدوات التي تجعل هذا القرار قابلًا للتنفيذ.
وهذه ليست مسألة شعارات. إنها مسألة قدرة دولة.
شبكة التأثير
لبنان لا يعيش في فراغ جغرافي أو سياسي. فهو يقع في منطقة تتداخل فيها حسابات دولية وإقليمية مباشرة، وتنعكس هذه الحسابات بالضرورة على أمنه وحدوده واقتصاده.
لكن التحدي الحقيقي في فهم المشهد هو عدم الخلط بين التأثير الخارجي والقرار الخارجي.
فوجود ضغط أميركي أو فرنسي أو عربي أو أممي على ملف لبناني لا يعني تلقائيًا أن القرار اللبناني يصدر من عاصمة أخرى. وكذلك فإن ارتباط قوة لبنانية بحليف إقليمي لا يعني أن كل قرار داخلي يُتخذ في الخارج.
الأكثر دقة هو القول إن القرار اللبناني يتحرك داخل شبكة واسعة من المصالح والضغوط والحسابات.
ففي الملف الجنوبي، على سبيل المثال، شهدت واشنطن في حزيران جولات مباشرة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، فيما تناولت المقترحات المطروحة مسائل الانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية والانتشار اللبناني.
وفي أيلول، عقدت في باريس اجتماعات عسكرية وأمنية بمشاركة لبنان ودول عربية وأوروبية لبحث احتياجات الجيش اللبناني والترتيبات الممكنة للمرحلة التي ستلي انتهاء مهمة اليونيفيل، وسط القلق من احتمال نشوء فراغ أمني في الجنوب.
ومن الصعب قراءة هذه التطورات باعتبارها مجرد تفاصيل دبلوماسية. فهي تعكس واقعًا واضحًا: جزء من مستقبل الأمن اللبناني يُبحث أيضًا داخل أطر دولية وإقليمية.
لكن هذا لا يلغي مسؤولية الدولة اللبنانية عن تحديد ما تريده هي.
فالفرق كبير بين دولة تفاوض الخارج من موقع صاحب القرار، ودولة ينتظر الخارج منها أن تتبنى خيارات صاغتها الوقائع أو القوى الأخرى.
والمفارقة أن لبنان يحتاج إلى الدعم الدولي في الوقت نفسه الذي يحتاج فيه إلى حماية استقلال قراره.
وهذه معادلة لا تُحل بالشعارات.
الدولة الصغيرة لا تستطيع أن تلغي الجغرافيا، ولا أن تمنع الدول الكبرى من ممارسة مصالحها، لكنها تستطيع أن تزيد قدرتها على المناورة كلما امتلكت مؤسسات أكثر قوة، واقتصادًا أكثر صلابة، وموقفًا داخليًا أكثر تماسكًا.
المال والقرار
ولعل أكثر أشكال التأثير هدوءًا هو الذي لا يظهر على شاشة الأخبار: التأثير الاقتصادي والمالي.
لبنان يحتاج إلى التمويل الخارجي لاستعادة اقتصاده وإعادة إعمار ما تهدم وتعزيز قدرته على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري. وفي 18 أيلول، أعلن صندوق النقد الدولي بعد زيارته إلى بيروت أن السلطات تواصل العمل على الإصلاحات المصرفية والمالية، وأن استكمال إصلاح القطاع المصرفي واعتماد إطار مالي متوسط المدى ضروريان لاستعادة الاستدامة وخلق مساحة للإنفاق على إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية.
هذا لا يعني أن صندوق النقد «يحكم» لبنان.
لكنه يعني أن القرارات الاقتصادية اللبنانية أصبحت مرتبطة، بدرجة كبيرة، بالمعايير التي يضعها النظام المالي الدولي، وبقدرة الدولة على الحصول على التمويل، وبشروط استعادة الثقة بالقطاع المصرفي والمالية العامة.
وهنا تظهر صورة أخرى للسيادة.
فإذا كان القرار السياسي يحتاج إلى قوة الدولة، فإن القرار الاقتصادي يحتاج إلى القدرة المالية.
الدولة التي لا تملك موارد كافية تصبح مضطرة إلى الاستدانة أو طلب التمويل أو انتظار المساعدة. ومع كل حاجة مالية كبيرة، تنشأ شبكة من الالتزامات والتوقعات والشروط التي تضيق أو توسع هامش الحركة أمام صانع القرار.
وهذا لا يخص لبنان وحده.
الدول كلها تتفاوض مع مؤسسات التمويل والدائنين والمستثمرين. لكن الفرق أن الدولة ذات الاقتصاد المتماسك تملك هامشًا أوسع لرفض بعض الشروط أو تعديلها أو تأجيلها، بينما تكون الدولة التي تعاني أزمة مالية عميقة أقل قدرة على المناورة.
لذلك، فإن السيادة لا تُبنى بالسلاح والسياسة وحدهما. إنها تُبنى أيضًا بالمال.
ومن دون اقتصاد قادر على تمويل الدولة، تبقى السيادة السياسية معرضة لاختبار دائم.
من يملك الكلمة؟
ربما يكون الخطأ الأكبر في النقاش اللبناني هو البحث عن إجابة مبسطة لسؤال شديد التعقيد.
فليس صحيحًا بالضرورة أن كل قرار لبناني يصدر من الخارج، وليس صحيحًا في المقابل أن كل قرار لبناني يُتخذ بمعزل عن الخارج.
هناك الدولة.
وهناك القوى السياسية.
وهناك الوقائع الميدانية.
وهناك موازين القوة.
وهناك الولايات المتحدة وفرنسا والدول العربية وإيران وإسرائيل والأمم المتحدة وغيرها من الجهات التي لكل منها مصالحها وحساباتها وأدوات تأثيرها.
لكن وجود كل هذه العناصر لا يعني أنها تتساوى في الوزن في كل ملف، ولا يعني أن تأثيرها ثابت في الزمن.
ففي ملف، قد تكون الكلمة الأثقل للمؤسسات اللبنانية. وفي ملف آخر، قد يصبح الواقع الميداني أكثر تأثيرًا. وفي ملف ثالث، قد يفرض التمويل الدولي نفسه بقوة. وفي ملف رابع، قد تتقدم المفاوضات الخارجية إلى الواجهة.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: هل يستطيع لبنان أن يجعل تعدد مصادر التأثير أقل من تعدد مصادر القرار؟
هذه هي المعركة الفعلية لبناء الدولة.
فالدولة القوية ليست الدولة التي لا يتدخل أحد في شؤونها؛ فهذا تصور مثالي لا يعكس طبيعة العلاقات الدولية، وخصوصًا في منطقة شديدة التداخل مثل الشرق الأوسط.
الدولة القوية هي التي تستطيع أن تتعامل مع كل هذه المصالح من موقع واضح: تعرف ما تريد، وتحدد ما تقبل به وما ترفضه، وتمتلك المؤسسات التي تنفذ قراراتها، وتملك اقتصادًا يسمح لها بالمناورة، وتستطيع في النهاية أن تقول لشعبها ما الذي قررته ولماذا.
ولعل التحدي الأكبر أمام لبنان في المرحلة المقبلة سيظهر مع بدء خفض قوام اليونيفيل وانسحابها، ابتداءً من 31 كانون الأول 2026، وفق القرار الدولي، إذ سيكون مطلوبًا من الدولة والجيش أن يثبتا قدرتهما على ملء الفراغ الأمني والمؤسساتي الذي قد ينشأ في الجنوب. وقد شدد قائد اليونيفيل في 19 أيلول على أهمية انتقال سلس ومنسق، في وقت يجري فيه البحث عن ترتيبات مستقبلية للمرحلة التي تلي المهمة الدولية.
وهنا ستتجاوز المسألة حدود الجنوب نفسه.
لأن نجاح الدولة في ممارسة سلطتها الأمنية سيكون اختبارًا لصورتها السياسية، كما أن قدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية ستكون اختبارًا لاستقلال قرارها، فيما ستكون قدرتها على إصلاح اقتصادها وتمويل إعادة الإعمار اختبارًا آخر لسيادتها.
في النهاية، لا يحتاج لبنان إلى وهم «القرار النقي» الذي لا يتأثر بأي عامل خارجي؛ فهذا غير موجود في عالم السياسة.
ما يحتاجه هو شيء أكثر واقعية وأصعب في آن واحد: قرار لبناني واضح، تصنعه مؤسسات الدولة، وتدرك هذه المؤسسات حجم القوى المحيطة بها، وتعرف كيف تفاوضها من دون أن تتحول إلى مجرد مساحة تتقاطع فوقها قرارات الآخرين.
فلبنان دولة واحدة، ودستورها يحدد من يملك القرار.
لكن قوة الدولة لا تُقاس فقط بمن يملك الحق في اتخاذ القرار، بل بقدرتها على تنفيذ ما تقرره.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يقرر في لبنان؟ بل، هل تملك الدولة اللبنانية ما يكفي من القوة والمؤسسات والاقتصاد لتجعل قرارها هو الأكثر حضورًا عندما يصبح الاختبار جديًا؟
هناك، تحديدًا، يبدأ معنى السيادة.























































